علي بن محمد البغدادي الماوردي

391

النكت والعيون تفسير الماوردى

والثالث : أنه لم يكن له ما يأتي به النساء ، لأنه كان معه مثل الهدبة « * » ، وهو قول سعيد بن المسيب . قوله عزّ وجل : قالَ : رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وإنما جاز له أن يقول : وقد بلغني الكبر لأنه بمنزلة الطالب له . وَامْرَأَتِي عاقِرٌ أي لا تلد . فإن قيل : فلم راجع بهذا القول بعد أن بشّر بالولد ، ففيه جوابان : أحدهما : أنه راجع ليعلم على أي حال يكون منه الولد ، بأن يردّ هو وامرأته إلى حال الشباب ، أم على حال الكبر ، فقيل له : كذلك اللّه يفعل ما يشاء ، أي على هذه الحال ، وهذا قول الحسن . والثاني : أنه قال ذلك استعظاما لمقدور اللّه وتعجبا . قوله عزّ وجل : قالَ : رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي علامة لوقت الحمل ليتعجل السرور به . قالَ : آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : تحريك الشفتين وهو قول مجاهد . والثاني : الإشارة ، وهو قول قتادة . والثالث : الإيماء ، وهو قول الحسن . وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً لم يمنع من ذكر اللّه تعالى ، وذلك هي الآية . وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ والعشي : من حين زوال الشمس إلى أن تغيب ، وأصل العشي الظلمة ، ولذلك كان العشى ضعف البصر ، فسمّي ما بعد الزوال عشاء لاتصاله بالظلمة . وأما الإبكار فمن حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى ، وأصله التعجيل ، لأنه تعجيل الضياء . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 42 إلى 44 ] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ( 42 ) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 )

--> ( * ) وفي نسخة : النواة .